مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
6
تفسير مقتنيات الدرر
قوله تعالى : * ( [ وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا ] ) * أي مثل ما أوحينا إلى من تقدّمك من الأنبياء بالكتب الَّتي أنزلناها عليهم بلغة قومهم وبلسانهم أوحينا إليك قرآنا بلغتهم لتنذر أهل مكّة ومن حولها من الخلق . وقرئ الأرض ، وسمّيت مكّة أمّ القرى وكنّيت بهذه الكنية إجلالا لها لأنّ فيها البيت وامّ الأرض لأنّها دحيت من تحت موضعها والعرب تسمّي أصل كلّ شيء امّه مثل أن يقال : هذه القصيدة من امّهات القصائد . فإن قيل : إنّ ظاهر الآية يقتضي أنّ اللَّه إنّما أوحى إليه لينذر أهل مكّة وأهل القرى المحيطة بمكّة وهذا يقتضي أن يكون صلَّى اللَّه عليه وآله رسولا إليهم فقط وأن لا يكون رسولا إلى كلّ العالمين . فالجواب أنّ التخصيص بالذكر لا يدلّ على نفي الحكم عمّا سواه نعم سلَّمنا أنّ هذه الآية تدلّ على كونه رسولا إلى هؤلاء خاصّة فقوله : « وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ » يدلّ صريحا على كونه رسولا إلى كلّ العالمين . وأيضا دليل آخر وهو أنّه لمّا ثبت كونه رسولا إلى أهل مكّة وجب كونه صادقا فلمّا ثبت بالتواتر أنّه كان يدّعي الرسالة إلى العالمين وجب تصديقه لأنّ الرسول صادق فيما أخبر به وإلَّا لم يكن رسولا ووجب تصديقه فثبت أنّه رسول إلى كلّ العالمين . ثمّ قال سبحانه : * ( [ وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ ] ) * أي تنذرهم بيوم القيامة فيجمع اللَّه فيه الأوّلين والآخرين وأهل السماوات والأرضين ، ويوم الجمع مفعول ثان لتنذر * ( [ لا رَيْبَ فِيه ِ ] ) * ولا شكّ في كونه وحصوله . ثمّ قسّم سبحانه أهل الجمع فقال : * ( [ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ ] ) * بطاعتهم وقبولهم الأوامر * ( [ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ] ) * بمعصيتهم * ( [ وَلَوْ شاءَ اللَّه ُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً ] ) * أي ولو شاء اللَّه لحملهم على دين واحد وهو الإسلام بأن يضطرّهم ويلجئهم إليه لفعله ولكنّه لم يفعل لأنّه يؤدّي إلى إبطال التكليف والتكليف إنّما يتحقّق مع الاختيار . وقيل : معناه ولو شاء اللَّه لسوّى بين الناس في المنزلة بأن يخلقهم في الجنّة ولكنّه اختار لهم أعلى الدرجتين وهو استحقاق الثواب والجنّة . * ( [ وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِه ِ ] ) * بسبب قبولهم الإيمان والطاعة * ( [ وَالظَّالِمُونَ